حضور قضايا الأمة في ديوان "بريد الراحلين"

كان لقائي السمري في شهر سبتمبر الماضي مع المرحوم الشيخ ولد بلعمش في منزله في كانصادو حافلا بالنقاش حول قضايا الشعر المعاصر و رواد الفكر الإصلاحي في موريتانيا..

 

فقد كنت يومها أكتب عن مؤتمر " تندوجه " الذي دعا له العلامة الشيخ سيديا الكبير سنة 1856 و علاقة ذلك بالحركة الجهادية التي سيحمل مشعلها الشيخ ماء العينين في فترة لاحقة...


تحدثنا في جدلية الباطنية و أهل السنة عند الإمام ناصر الدين و الشاب الشاطر من جهة و محمد المختار بن بلعمش قاضي وادان من جهة أخرى.. و تحدثنا في قصيدة العلامة سيدي محمد بن الشيخ سيديا " رويدك إنني شبهتُ دارا..." التي تحمل دعوة صريحة إلى الجهاد في قوله:


... و أن تستنفروا جمعا لهاما تغص به السباسب و الصحارى
تمر على الأماعز و الثنايــــــا قنابله فتتركها غبــــــــــــــــــــارا
تني رُبُد النعام بحافتيـــــــــــــه و تعيا دون مُعظمـــــــــه الحُبـــارى
و فتيانٍ يرون الضيم صابــــــــا و طعم الموت خرطوما عقــــــــارا...


هذا النقاش جعلني أصنف الشاعر من خلال مرجعيته الفكرية ضمن تيار الشعر الملتزم الذي كرسته القصيدة الحداثية مع شعراء الأرض المحتلة في النصف الثاني من القرن العشرين... فقد استطاع الشيخ أن يشج لبن القصيدة الفصيح بالعبارة السكرية لذيذة المطعم سهلة العبارة قريبة المأخذ.. كما في قوله:


ما الشعر إلا أن نكون حمائمـــــــــا و نزيدَ فنجان العبارة سُكَــــــرا
ما الشعر إلا أن نحب و نكتــــــــــوي و نموتَ.. ثم نعود نشرح للورى...


1 ـ حضور القضية الفلسطينية في شعره:


اهتم الشعراء المعاصرون بقضية الأرض المحتلة و تفاعلوا مع القضية التي أرقت الضمير العربي خلال عقود متعددة..

 

حتى صار هنالك شعراء و كتاب يمحضون إنتاجهم الأدبي لهذه القضية مثل روايات غسان كنفاني و شعر محمود درويش و فدوى طوقان و سميح القاسم، وخاصة، الشاعر السوري نزار قباني وبعض ما كتبه الشعراء الموريتانيون المحدثون من أمثال الشاعر الكبير أحمدو بن عبد القادر في قصيدته ذائعة الصيت "في الجماهير تكمن المعجزات" التي يقول فيها:


...  و من العسف في فلسطين قامت ثورة الفتح.. يفتديها الأباة

 

إلى أن يقول:


دير ياسين مانسينا دمانا في حمانا تدوسها النظراتُ
نتلقى الشهيد عزا و نصرا و الضحايا توديعهم حفلات..


و يقول في قصيدة أخرى:


حكم العنف أيها الإنسان إنما اسلم خدعة و هــــــــــــوان
فجميع الحقوق ديس سناها فهو مُلقى على الحضيض مُهان


و يقول الشاعر فاضل أمين من قصيدته "سواحل الفداء":


القدس أكبر من حكاية ناكص و من العجائز نمقتْ أحلامـــــــــــــــــها
القدس ليست خيمة عربيــــــة ضاعت فردد شاعر أنغامـــــــــــــها


فنجد إسهام الشاعر الشيخ ولد بلعمش حاضرا في القضية الفلسطينية على المستوى الشعري في أغلب مجموعته الشعرية " بريد الراحلين" خاصة في قصيدته " رثاء الشهيد أحمد ياسين" الذي إغتيل في مارس 2004 و الرنتيسي الذي إغتيل في إبريل 2004 في قوله:


... أبكِ إن شئتَ ربع هندٍ و دعدٍ فسأبكي ياسين و الرنتــــــــيسي
و سآوي إلى المحاريب أتلـــــــــو آية الكرسي العظيم النفــــــــيس
كان ياسين شامخا ليس فيــــــــــــه من سمات الجلوس غير الجلوس
ليس ياسين قائدا عضليـــــــــــــــــا كان روحا مبثوثة في النفــــــــوس.....


فهذه الصورة التي رسمتها ريشة الشاعر لأحمد ياسين تُجسد بحق تلك السمة الخالدة من سماته النضالية التي جعلته يتطاول على المهاتما غاندي في الهند و الدلاي لاما في إقليم التبت....


و تُكرسُ قصيدته "سمني ما تشاء" لونا آخر من الحماس الملتهب و الاندفاع النضالي في قوله:


... سوف أسقيكها كؤوس دمـــــــــار ما سقاها أبي جيوشَ التتــــــــار
سوف أصطاد من جنودك حتـــــى أطفئ الغيظ بعد طول انتظــــــار
إنه فتح خيبر لا فتى إلــــــــــــــــــــــــــا عليٌ و سيفه ذو الفقــــــــــــــار...


2 ـ حضور القضية اللبنانية في الديوان:


نجد قضية الجنوب اللبناني حاضرة في الشعر الموريتاني الحديث ابتداء من غزو إسرائيل للبنان سنة 1982 عندما أنشد الشاعر الكبير أحمدو ولد عبد القادر رائعته" إن القرون ليالينا..." التي يقول فيها:


إخسأ جُميل لن نرضى تنابلةَ تهدي لشارون روح القدس مهتضما
إخسأ جُميل لا ترضى بخيبتهم ليسوا لنا أملا كلا و لا رحـــــــــــما
سائل بونابرت عن عكا و هجمته هل عاد منتصرا أم عاد منهزمــــــــا
إن القرون ليالينا نعد بـــــــــــــها دين الحقوق و نستقضي الذي ظلمـــا

 

تحضر قضية الجنوب اللبناني في شعرالشيخ حيث يتحدث عن صور و بنت جُبيل في قصيدته: "سمني ما تشاء" قائلا:


كلما دمروا مآذن صــــــــــــــــور نهض العزم من ركام الدمــــــــار
فاكتبي أحرف البطولة شعــــــــــرا و تغني بكندةٍ و نــــــــــــــــــزار
فمن الشرق تطلع الشمس دومــــــا و الرسالات و الأسود الضواري
قف معي صاحبي ببنت جُبيـــــــــل أطلق النار و استتر بالغبـــــــــار
و تمسح بأرض غزة شوقــــــــــــا و بكاء على ضحايا الحصـــــــار....

 

فمن حضور القضية الفلسطينية إلى قضية لبنان إلى الحرب العراقية و مقتل الشهيد صدام حسين... نجد الشاعر يواكب تلك الهزات المتتالية التي شهدتها الأمة العربية في ماضيها و حاضرها... فها هو يناجي الرئيس الشهيد صدام بقوله:


... و مشيت وحدك راضـــــــــيا بمرارة الموت الـــــــــزؤامْ
إن الحياة رخيصــــــــــــــــــــــة إن كان يمنحها اللئــــــــــامْ
يا أيها الرجل العـــــــــــــــــــــرا قيُ الجدير بألف عـامْ
لم يمنحوك عدالـــــــــــــــــــــــة إلا دقائق للكـــــــــلامْ


و يمزج الشاعر تارة بين قضايا الأمة كلها.. كما في قوله من قصيدة " يا خنجر الدهر لا تفتك به رجلا.."


أبكي عيون المها بين الرصافة و الـــــــــ جسر العتيق فلا أبغي به بــــــــــــــدلا
يا حرقة الدمع.. و الشاشات تحصد لــــــــي ما أفسدت يد هولاكو و ما قــــــــــــتلا
لو كان جرحا وحيدا ما استطعتُ لـــــــــــــه صبرا فكيف و جرح القدس ما اندملا؟.....

 

و في حادثة رشق الرئيس الآمريكي بوش الابن بالحذاء يوجه الشاعر الشيخ "قافية"

للصحفي العراقي منتظر الزيدي قائلا:


... يا أيها الصحفيُ المرتقي جبلا من الفخار فداك السمع و البصــــر
آه! فلو كان فينا ألف منتظـــــــــــر لما تعذب من في القدس ينتظـــــــر..

 

وقبل أن نصل الصفحة اليسرى من الديوان يحرر لنا المرحوم الشيخ بيراعه الذهبي" رسالة من غزة إلى العالم" يقول فيها:


أيها ذا العالم النائم
هل يوما ستصحو؟
أترى عينيكَ ما أبصرتا جرحي
و هل فيك حياء أم هو القبحُ؟


3 ـ رموز الأمة الموريتانية:


هذا البوح الشعري في القضايا النضالية و رموزها ألبس الشاعر جبة الراهب في محراب النضال و المتبتل في قضايا الأمة.. سواء تعلق الأمر بعمومها أم بخصوصها... فنراه يقف راثيا للزعيم السياسي أحمدو ولد حرمه ولد ببانا في قصيدة "هم يرحلون" إذ يخاطبه قائلا:

 

يا رافعا راية العلياء مرتحـــــــــــــــــلا عن الديار فداك السمع و البصرُ
حميتَ سنة آباء غطارفــــــــــــــــــــــــة لأنك الوارثُ الغطريفُ و الأثر..

 

ورثاء في الأب المؤسس الرئيس المختار ولد داداه في قصيدته "اشتاقت لك الدار" إذ يقول:


أوصدتَ بابك في وجه اليهود و مـــــــا رضِيتَ بالذل... فالإملاق لا العـــــــــــارُ
والقدس في قلبك الخفاق ساكــــــــــــــنة و الحِلم عندك محمودٌ و مخــــــــــــتــــارُ..

 

ورثاء العلامة محمد سالم ولد عدود في قصيدة " رثاء للشنقيطي الأخير" إذ يقول:


... أحتاج عينيك أحتاج الحروف هدى أحِن للنطق فصحى ما به خلـــــــــــل
أحييت عمري بأحلى قصة كُتبـــــــــت أنت الدليل على شنقيط إن جهلـــــــــوا...

 

هذه المضامين الملتزمة التي تحدثنا عنها، و إن جلتْ، تبقى بسيطة في شعر الشيخ إذا ما قورنت بموضوع محبة النبي صلى الله عليه وسلم لدى هذا الشاعر الشاب الذي تلقى تربية صوفية لا يستهانُ بها رسختها فيه موجة الإسلاموفوبيا التي عرفها العالم الإسلامي في العقدين الماضيين ابتداء من الرسوم الدنماركية و مرورا بجريدة شارلي أيبدو لتصل الموجة أوجها مع مقال ولد لمخيطير... فكان الشيخ حاضرا في كل ذلك بشعره و شعوره.. فلنقرأ من قصيدته "داو الهوى برسول الله" إذ يقول:


داو الهوى برسول الله و أرضَ بـــــــه نعم المجانين فيه و المجاذيب
يا حبذا شطحات في محبتـــــــــــــــــــــه تنأى الأعاجم عنها و الأعاريــــــبُ


هذا الجانب من قراءة الديوان يتطلب وقفة أخرى مع الشعر الصوفي عند الشاعر قد أتركها لغيري من المتدخلين...


و في الختام أشكر جمعية شبيبة بناء الوطن على هذا الاهتمام بالشاعر و بشعره و أشكر الحضور...


السلام عليكم و رحمة الله تعالى و بركاته..

 

سيدي محمد متالي

 

 

 

 

 

 

 

 

 

Share/Save/Bookmark
 
- التعاليق لاتعبر بالضرورة عن وجهة نظر المذرذرة اليوم
- التعاليق التي تحوي تجريح بأي شخص أو جهة سيتم حجبها

الإسم:





فلسطين

إعلان

إعلان

الموقع على

احصائيات

عدد زيارات المحنوى : 8916159

البحث